استطاع الديمقراطي عبدول السيد، المنحدر من ولاية ميشيجان، الاستفادة من موجة التأييد الواسعة التي حققها حزبه على مستوى الولايات المتحدة، ليدخل التاريخ باعتباره أول مسلم يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي. لكن فوزه، الذي جاء في عام حقق فيه الديمقراطيون مكاسب غير متوقعة حتى في ولايات جمهورية راسخة مثل ساوث كارولاينا وكانساس وتكساس، جاء بفارق أقل مما توقعته بعض استطلاعات الرأي المتفائلة، وربما عكس تحفظات واسعة لدى الناخبين بشأن تصريحاته السابقة وتحالفاته، فضلًا عن تساؤلات حول مدى ابتعاده عن التيار الرئيسي للحزب الديمقراطي، بحسب الكاتب كيث بي. ريتشبرج.

 

وفي مقال رأي نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، يرى ريتشبرج أن فوز السيد يضع القيادات الديمقراطية الجديدة في مجلس الشيوخ أمام تحدٍ يتمثل في استيعاب شخصيته الصدامية ومواقفه الراديكالية داخل كتلة برلمانية أكثر اعتدالًا، بعدما دعمته تلك القيادات عقب انتخابات تمهيدية شهدت انقسامًا حادًا.

 

ويشير الكاتب إلى أن هذا الفوز الاستثنائي ما كان ليتحقق إلا في هذه اللحظة، وسط الموجة الديمقراطية الواسعة، وربما في ولاية ميشيجان تحديدًا، التي ينتمي إليها. فعلى الرغم من فوز الرئيس دونالد ترامب بالولاية بفارق ضئيل عام 2024، تراجعت شعبيته فيها بصورة كبيرة، كما استاء الناخبون، مثل نظرائهم في ولايات أخرى، من ارتفاع أسعار البنزين. وتتمتع كندا، التي أصبحت هدفًا رئيسيًا لحرب ترامب التجارية وتصريحاته الغاضبة، بعلاقات جوار وثيقة وودية مع الولاية.

 

 

استراتيجية انتخابية مختلفة وسّعت قاعدة التأييد

 

وخالف عبدول السيد القواعد التقليدية التي اعتاد الديمقراطيون اتباعها عند خوض الانتخابات على مستوى ولاية ميشيجان. فقد ركز المرشحون الديمقراطيون عادةً معظم جهودهم على مدينة ديترويت وغيرها من المناطق ذات الطابع العمالي، بهدف زيادة مشاركة الناخبين السود.

 

لكن السيد اختار بناء تحالف انتخابي أوسع، فزار الجامعات في آن آربر وإيست لانسينج، وخاض حملات في معاقل جمهورية تقليدية شمال الولاية، وأجرى مقابلات مع شبكة «فوكس نيوز» للوصول إلى الناخبين الذين خاب أملهم في ترامب.

 

وحقق السيد الفوز رغم التحول المفاجئ الذي أجرته منافسته السابقة في الانتخابات التمهيدية، النائبة هايلي ستيفنز، في اللحظات الأخيرة؛ إذ أعلنت يوم الأحد تأييدها للمرشح الجمهوري مايك روجرز. وأفادت حملة السيد بارتفاع التبرعات وأعداد المتطوعين عقب تغيير ستيفنز موقفها بصورة مفاجئة.

 

وأعرب بعض سكان ديترويت السود عن استيائهم من ظهور ستيفنز العلني الأول إلى جانب روجرز داخل كنيسة للسود في المدينة، معتبرين أنها تعاملت مع المجتمع الأفريقي الأمريكي، الذي يشكل الكتلة السكانية الأكبر في ديترويت، باعتباره مجرد أداة في حملتها السياسية.

 

وكانت ستيفنز تصف نفسها بأنها «ديمقراطية فخورة بدعم إسرائيل»، في مقابل انتقادات السيد للدولة اليهودية. ورأت قيادات الحزب ومحللون سياسيون أنها المرشحة الأوفر حظًا للفوز في الانتخابات العامة.

 

ومع ذلك، نجح السيد في حسم السباق، رغم حصوله على أصوات تقل بنحو نقطتين مئويتين عن تلك التي نالتها جويسلين بنسون، وزيرة خارجية ميشيجان المنتهية ولايتها، والتي تحظى بشعبية واسعة وفازت بسباق منصب حاكم الولاية.

 

كما تجاوز السيد موجة من الهجمات الحادة التي شنها روجرز وحلفاؤه الجمهوريون خلال الحملة الانتخابية؛ إذ وصفه بعضهم بأنه «إرهابي» و«جهادي». ونشر ترامب صورة على وسائل التواصل الاجتماعي بدت وكأنها تسخر من زوجة السيد بسبب ارتدائها الحجاب، كما أخبر حشدًا انتخابيًا بأن السيد سيحتاج إلى المرور عبر جهاز كشف المعادن لدخول مجلس الشيوخ.

 

ويرى ريتشبرج أن هذه الهجمات العنصرية والعدائية ربما ساعدت السيد بطريقتين. أولاهما أنها أتاحت له تحويل الأنظار عن التساؤلات المشروعة بشأن تصريحاته ومواقفه السابقة، وعلاقته بحسن بيكر، مقدم البث المباشر ذي التوجهات اليسارية المتطرفة على منصة «تويتش»، من خلال اتهام منتقديه بالإسلاموفوبيا.

 

أما الطريقة الثانية، فتتمثل في أن استهداف هوية السيد بدلًا من مناقشة مواقفه ربما أثار غضب الجالية العربية الأمريكية الكبيرة في ميشيجان، التي سبق أن صوّت قطاع منها لصالح ترامب في مواجهة كامالا هاريس قبل عامين.

 

 

الجالية العربية والإسلامية ودورها في حسم السباق

 

يعيش في ميشيجان نحو 400 ألف أمريكي من أصول عربية، مقابل قرابة 130 ألف يهودي. وتضم مدينة ديربورن، المجاورة لديترويت، واحدة من أكبر التجمعات العربية الأمريكية في الولايات المتحدة.

 

ويستعيد الكاتب ذكرياته الشخصية عن المنطقة، موضحًا أن منزل والديه الأخير كان يقع في شارع سكني هادئ بمدينة ديترويت، بينما تبدأ ديربورن من المبنى التالي مباشرة. وتنتشر أغطية الرأس الإسلامية في المنطقة، إلى جانب المطاعم اللبنانية والمصرية المتميزة، كما يتزايد عدد المساجد على مدار السنوات، في وقت تُغلق فيه بعض الكنائس والمدارس الكاثوليكية القديمة ذات الطراز المعماري المزخرف أو تندمج مع مؤسسات أخرى بسبب تراجع أعداد المصلين.

 

ورأى كثير من الأمريكيين العرب في ميشيجان أن حملة السيد تمثل حدثًا تاريخيًا، على غرار شعور الأمريكيين السود بالفخر عندما حقق الرئيس باراك أوباما فوزه الذي بدا مستبعدًا في انتخابات عام 2008.

 

ويعتقد ريتشبرج أن الأجواء العدائية التي سادت سباق انتخابات التجديد النصفي ربما دفعت كثيرًا من الأمريكيين العرب إلى الابتعاد عن الحزب الجمهوري خلال المستقبل المنظور.

 

ولم تقتصر أهمية فوز السيد على نجاحه الانتخابي، بل امتدت إلى رمزيته لدى مجتمع عربي أمريكي لطالما سعى إلى تعزيز حضوره السياسي داخل المؤسسات الأمريكية. وفي المقابل، كشفت الهجمات التي استهدفت هويته الدينية والثقافية عن حجم الاستقطاب الذي أحاط بالحملة الانتخابية.

 

 

من السياسي المثير للجدل إلى رجل الدولة؟

 

خاض عبدول السيد حملة انتخابية اتسمت بالمواجهة والثقة بالنفس، ومن المرجح أن يفسر فوزه باعتباره تأكيدًا لصحة النهج الذي اتبعه. لكن السؤال الذي يطرحه الكاتب هو ما إذا كان السيد سيحاول الآن الانتقال من دور السياسي المثير للجدل إلى موقع رجل الدولة البارز الذي يتمتع بالخبرة والقدرة على بناء التوافقات.

 

ولا يرى ريتشبرج أن الطريقة التي خاض بها السيد حملته الانتخابية عقب فوزه السابق، وإن كان بفارق أضيق، في الانتخابات التمهيدية تمنح أسبابًا كثيرة للتفاؤل بشأن هذا التحول.

 

ومع ذلك، يؤكد الكاتب أنه لا ينبغي الاستهانة بحدسه السياسي وقدرته على المناورة داخل مجلس الشيوخ، الذي ينتظره ستة أعوام يُرجح أن تكون حافلة بالاضطرابات والتحديات.

 

فقد أثبت السيد قدرته على تجاوز قواعد الحملات الانتخابية التقليدية، وبناء تحالفات خارج الدوائر الديمقراطية المعتادة، والتعامل مع هجمات سياسية وإعلامية مكثفة. لكن نجاحه في الانتخابات لا يحسم وحده طبيعة الدور الذي سيلعبه داخل المؤسسة التشريعية، ولا يحدد ما إذا كان سيتجه إلى بناء توافقات أوسع مع زملائه.

 

ويرى ريتشبرج أن المرحلة المقبلة ستكشف قدرة عبدول السيد على توظيف زخم فوزه التاريخي في ممارسة دور سياسي أكثر اتزانًا، داخل مجلس الشيوخ الأمريكي.

 

Opinion | Why Abdul El-Sayed won the Senate race in Michigan - The Washington Post